ارتبطت الولايات المتحدة مع العالم العربي بعلاقة وثيقة على مدار قرن من الزمن. قبل مائة عام، وبالتحديد في عام 1911، عندما لم تكن بوادر هذه العلاقة واضحة، تنبأ اول كاتب عربي امريكي امين الريحاني (1876-1940) بمستقبلها في ثنايا روايته الاولى “كتاب خالد” التي نشرها في ذلك الوقت في نيويورك كاول عمل لكاتب عربي باللغة الانجليزية، اذ يسرد الريحاني في هذه الرواية، وعلى لسان بطلها خالد، رؤية استشرافية لطبيعة تلك العلاقة واسس استقامتها، داعيا الى ضرورة التعايش السلمي والتفاهم الحضاري بين الطرفين من اجل بناء عالم اكثر استقرارا.
وفي هذا العام، اجتمعت شخصيات سياسية واكاديمية اودبية بقيادة الباحث الامريكي الشاب تود فاين على اهمية اعادة قراءة النتاج الادبي والثقافي لامين الريحاني. وقد نجح الباحث تود فاين في اقامة سلسلة من الانشطة والمحاضرات بعد تاسيسة لحملة “مشروع خالد” للاحتفاء بمرور مائة عام على نشر الريحاني عمله الاشهر “كتاب خالد”. ففي التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي اجتمعت هذه الشخصيات في مكتبة الكونغرس الامريكية بالعاصمة واشنطن، لمناقشة أهمية النتاج الفكري لأمين الريحاني وملائمته لمتغيرات عالمنا اليوم، بينما تقوم مؤسسات ثقافية وعلمية رائدة في مدينة نيويورك بتكريس مجموعة من الفعاليات على مدار اسبوع كامل لتكريم امين الريحاني في شهر اكتوبر القادم.
وبالرغم من جهد امين الريحاني التاريخي الفاعل في تثبيت دعائم العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي وتفانيه في سبيل انجاحها، الا ان الريحاني يكاد لا يُذكر في الولايات المتحدة الامريكية سوى من قبل قلة من الباحثين المتخصصين على الرغم من نشره لاهم اعماله باللغة الانجليزية بما فيها روايته الرائدة “كتاب خالد”. اما في العالم العربي، فقد قام الريحاني بالعديد من الرحلات حول الجزيرة العربية في مطلع القرن التاسع عشر متصديا، كممثل غير رسمي للولايات المتحدة، للمشاريع الاستعمارية الانجليزية والفرنسية المتربصة بالمنطقة العربية حينها، الامر الذي جعل منه مفكرا عربيا كسب احترام ملوك وحكام المنطقة حتى يومنا هذا. ويرى القائمون على “مشروع خالد” ان بامكان الامريكيين التعلم الكثير من محاولات الريحاني التعريف بالعرب ودينهم وحضارتهم وهو الذي حذرهم في الوقت نفسه من مغبة التدخل الخاطئ في شؤون العالم العربي.
وبرجوعنا الى سيرة الريحاني، نجد انه قد عاش فيما يعرف بمنهاتن الدنيا في مدينة نيويورك، وهي المنطقة التي عرفت ايضا بسوريا الصغرى، نسبة الى تواجد جالية كبيرة من العرب (الشام خصوصا) فيها مطلع القرن التاسع عشر، وهي المنطقة التي يعمل بعض المسلمين اليوم على انشاء مركز اسلامي فيها ويدور حوله جدل كبير في الولايات المتحدة. لكن الامر الذي لا يذكره الاعلام الامريكي ان هذه المنطقة تعتبر بقعة تاريخية للعرب في نيويورك، لكن ملامحها طمست بفعل مشروع النفق المؤدي الى ضاحية بروكلين ومشروع برجي مركز التجارة العالمي اللذين شيدا على تلك المساحة.
اما “كتاب خالد”، الذي نشر في نيويورك، فهو عبارة عن قصة لمهاجرين شابين من بعلبك الى نيويورك، يستقران في منهاتن الدنيا ويمتهنان بيع بعض المنتجات البسيطة في شوارع المدينة. احدهما، واسمه خالد، يصل الى نبوءة مفادها ان العلاقة بين الولايات المتحدة والعرب ستكون مفصلية في استتباب الامن في العالم. اما في الجزء الاخر من الرواية، فيعود خالد الى لبنان وسوريا ليبدأ بمخاطبة الناس، محاولا اقناعهم ان المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة الامريكية يمكن ان تلهم العالم العربي في مشروعه النهضوي الاصلاحي، وقبله في محاولاتهم الاستقلال عن الامبراطورية العثمانية. وتنتهي الرواية عندما يقوم العثمانيون بمحاكمة خالد ومطاردته في الصحراء. يذكر ان المؤسسة العربية للدراسات والنشر قد قامت باعداد ونشر ترجمة جديدة لهذه الرواية باللغة العربية هذا العام.
ومعرفٌ ان الريحاني لم يقف عند هذا الحد من تجسيده لهذا الهاجس الثقافي/ السياسي في روايته الاولى او في كتاباته الاخرى، بل تعدى الامر الى قيامه برحلات في الجزيرة العربية ولقائه بملوك المنطقة، مثل الملك عبدالعزيز ال سعود في المملكة العربية السعودية والملك حسين في الحجاز، وملكي العراق فيصل وغازي، ناقلا لهم رؤية مستقبلية مفادها ان العلاقة مع الولايات المتحدة ستصب في مصلحة الشعوب العربية في لحظة تاريخية وحاسمة لمصيرهم القومي. وقد اخذ الريحاني على عاتقه نقل محاور من الثقافة العربية وتاريخها لرؤساء وسياسيين في الولايات المتحدة بالاضافة الى عامتهم، مع الوعد بان تصبح أمريكا الصديق الحقيقي للعرب عند زوال الاستعمار الاوروبي.
يأمل “مشروع خالد” من العرب المساعدة في التعريف بفكر وادب امين الريحاني للامريكيين واقناعهم بان امين الريحاني شخصية ادبية وتاريخية يحب ان تتذكر وتحترم. لانه بالرغم من التغطية الاعلامية الرائعة لاحداث هذا العام حتى الان لهذا المشروع من قبل الاعلام العربي بالتحديد الا ان قلة من الامريكيين قد اخذوا هذه المبادرة بجدية.
لمزيد من المعلومات او لتقديم المساعدة، الرجاء الاتصال بمدير المشروع تود فاين
هاتف:
(+001) 857.234.0920
او على البريد الالكتروني:
toddfine@projectkhalid.org
